لم يَنم في تلك الليلةِ التي باتت في نظرهِ سنةً ضوئية ... يتقلب يَمنْةً ويسْرة أشبهَ بِقطعةِ لحم تنتظرُ الإستواء ... يتنفسُ بصورةٍ مريبة ... وضجيجُ قلبه يكاد ان يُسمَعَ من سابعِ حانة !!
وكيف سينام ولديه موعدٌ مع موتٍ ورديّ صباح اليوم التالي ... نعم .. فقد عَزَمَ على الذهاب لخوضِ تجربةِ الاستشهاد !!وما أن أذّن الفجر ... حتى قامَ مُسرِعاً مقنعٍاً نفسهُ بأنهُ قد نام ... صلى فرضهُ وانتفلَ لله حاجةً .. استيقظت زوجته مُهيئةً نفسها كي تصبح زوجةَ الشهيد ... ابتسمت وكأنها تقول له : حان موعدُ تحقيقِ حُلُمك ..أوصاها بوالديهِ وأولاده .. وبدءا بــِفعلِ شيءٍ غريب ... فقد بدءا بــِ عّدِ السبعين الذي سيشفعُ لهم يومَ القيامة !! .. نعم فـثقتهُ بالله بأنه سيتّقبله شهيداً تفترشُ الارضَ وتلتحف السماء ... حانَ موعدُ الذهاب ... لم يَشأ ان يوقظ فلذاتِ كبده .. أكتفى بتقبيلهم والدعاءَ لهم ... تبلورت عينا زوجتهِ بذاكُ الغطاء الشفاف .. أراد ممازحتها والتهوين عليها قبل ذهابهِ قائلاً : الاربعةُ البقيةُ من نصيبك !! لم تفهم قصده فـتغير تعابير وجهها الى عدم فهم المغزى وسقطت دمعاتها بشكلٍ تلقائيّ وقالت : أيّ أربعةٍ ؟ قال لها مميلاً رأسه و مبتسماً : الاربعة الذين تبقوّا سأشفعُ لهم ولم نحدد أسمائَهم بعدُ يا عزيزتي !!
ومضى ... يتّلقف بعضَ الاحجار من جوانب الطريق ... مَعزوفات الدباباتِ و قرعُ الرصاصِ على صدورِ الابطال هي موسيقاه التي عاش عليها دونُ أن يغيّر شيئاً في تلك المقطوعة !!
تلثمَ بكوفيتهِ أشبه بذاكَ الشريط الملون الذي تُلَفُ بــِه الهدايا ... حتى هو أُعــِجبَ بنفسه !
أكمل مسيرهُ وهو يردد ..
قولوا لهم .. هو لا ذليلٌ ولا يعرفُ المفر
هو لا جبانٌ من أبٍ مغوارٍ قد انحدر
أُشْبــــِعَ قهراً و ذُلاً واصــــتبر
و الآن كفى .... والآن كـــــــفى
قولوا لهم هو لقبره بأناملهُ ... قد حفر
فإن كان الموت قُربي... فــيا اهلاً ويا طوبى بذاكَ
و إن لم يكن قدري اليوم ... سأمضي نَحوَه حتى امتلاكه !
وبعد ان انتهى خطط لليوم الأولِ في الجنة ... وما إن وصل حتى وجدَ كلَ شيءٍ مضاعفاً من قتلٍ ... وصراخٍ .. واشتباك .. حتى أعدادُ الجنود ... أقبلَ ببسالةِ و اندفاع .. حريقُ الاطارات كان يشكل غمامةً عملاقة ... لكنّه بقي صامداً ... أنقدَ العشرات قطراتُ العرقِ على وجهه الظاهر من كوفيته أشبهَ بقطراتِ الندى على الياسميـــــن ... اما عيناه فهما سراً لن يعرفهما سوى من نظرَ الى بريقهما الساطع ... وبالنسبة له ككل من بين دخانِ الاطارات ... كــسبعٍ لن يروضَ أبداً .. يزأرُ بــثِقةٍ كلما خط خطاه ...
أمسَت الدنيا ... و هو لا يزالُ راسخاً بذات القدرِ من الشجاعةِ والحماس التي كان بها صباحاً .. رأى جندياً لم يكن بذاكَ البعد ... أغتنم الفرصة ممسكاً أكبر حجرٍ لديه... يديهِ كـمقلاعٍ حديديّ.. احكم قبضتهُ على الحجر حتى أحسّ بأنه سـيفتتّ متوسلاً اليه ان لا يشدَ اكثر !!
رفع يدهُ نحو السماء فكّ قيودُ ذاك الحجروأخرجهُ من زنزانتهِ لينقضّ على ذاك الجندي لإفتراسه ! ... وما أن رفع عينه حتى لَمَحَ طلقةً هدفها صدره .. وبسرعةٍ عجيبة هزّت شباكَ صدرهِ واستقرت في منتصف قلبه .. و اما ذاك الجحر .. فَبرميــهِ اكتمل القمر !!
